الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
49
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
مستقر هو المفعول الثاني ل جَعَلْنا ، قدم على المفعول الأول للاهتمام . وجملة يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً بيان أو بدل اشتمال لجملة جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ و مَذْمُوماً مَدْحُوراً حالان من ضمير الرفع في يَصْلاها يقال : صلى النار إذا أصابه حرقها . والذم الوصف بالمعايب التي في الموصوف . والمدحور : المطرود . يقال : دحره ، والمصدر : الدحور ، وتقدم عند قوله تعالى : قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً في سورة الأعراف [ 18 ] . والاختلاف بين جملة مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ وجملة وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ بجعل الفعل مضارعا في الأولى وماضيا في الثانية للإيماء إلى أن إرادة الناس العاجلة متكررة متجددة . وفيه تنبيه على أن أمور العاجلة متقضية زائلة ، وجعل فعل إرادة الآخرة ، ماضيا لدلالة المضي على الرسوخ تنبيها على أن خير الآخرة أولى بالإرادة ، ولذلك جردت الجملة من ( كان ) ومن المضارع ، وما شرط في ذلك إلا أن يسعى للآخرة سعيها وأن يكون مؤمنا . وحقيقة السعي المشي دون العدو ، فسعي الآخرة هو الأعمال الصالحة لأنها سبب الحصول على نعيم الآخرة ، فالعامل للصالحات كأنه يسير سيرا سريعا إلى الآخرة ليصل إلى مرغوبه منها . وإضافته إلى ضمير الآخرة من إضافة المصدر إلى مفعوله في المعنى ، أي السعي لها ، وهو مفعول مطلق لبيان النوع . وفي الآية تنبيه على أن إرادة خير الآخرة من غير سعي غرور وأن إرادة كل شيء لا بد لنجاحها من السعي في أسباب حصوله . قال عبد اللّه بن المبارك : ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها * إن السفينة لا تجري على اليبس وجملة وَهُوَ مُؤْمِنٌ حال من ضمير وَسَعى . وجيء بجملة وَهُوَ مُؤْمِنٌ اسمية لدلالتها على الثبات والدوام ، أي وقد كان راسخ الإيمان ، وهو في معنى قوله : ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [ البلد : 17 ] لما في ( كان ) من الدلالة على كون الإيمان ملكة له . والإتيان باسم الإشارة في فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً للتنبيه على أن المشار إليهم جديرون بما سيخبر به عنهم لأجل ما وصفوا به قبل ذكر اسم الإشارة .